حتى هذه اللحظة أنت لا تستطيعُ أن تعيش اختياراتك بحريةٍ وصراحة دون أن تكون منبوذًا من أحدهم ، للأسف
كنتُ أبرر لصديقةٍ متحررةٍ تكبرني بعشرِ سنين عن سبب تكتمي الدائم لا سيما مع من حولي ، كانت متفهمةً لمشاعري المستاءة لأنها حسب قولها تعيش بذاتِ المبدأ
لا تخرج كلمتها من رأسي ، تصف حالنا مع مجتمعنا بلغةٍ بسيطةٍ ومعبّرة ، تقول :
“أدري إننا نحوم التسبد”
إي والله “نحوم التسبد” . هل تعي ما معنى كلمتها هذه ؟ اسأل شخصًا من القصيم واجعله ينطقها لك ستدرك عمق معناها عندما تسمعها شفهيةً منه
تستطيع غضّ البصر عن كلِ مشكلةٍ أو قضيةٍ تطرأ عليك أو على المجتمع مهما كانت كبيرة ، ماذا إن كنتَ أنتَ القضية
وبدقةٍ أكبر : ماذا لو كنتِ أنتِ القضية !
لأنكِ أنثى فأنتِ القضيةُ ذاتها ، ولكِ خطٌ مرسومٌ في هذه الحياة أسلكيه بطاعة ، كوني مخلصة وساكنة ، وبلا أهدافٍ تفوق طولكِ
حذاري من الانعطاف يمينًا أو شمالًا بعيدًا عما رُسم لكِ .. هل تدركين ما يعني هذا
يعني أنه إذا ما جاء ذكركِ في المجالس قالوا “ذيك” شدةً في الإنكار ، إنهم حتى لن يقولوا اسمكِ الصريح ، ومن أنتِ حتى يتسخ لسانهم باسمك ؟
يقولون “ذيك” كسرًا لكِ وطعنًا في إنسانيتك وتحذيرًا مبطنًا لكل من سيسلك مسلككِ أو يحاول
يقولون “ذيك” لأن اختياركِ لم يعجبهم ، هكذا بكل بساطةٍ ، وقسوةِ قلب .. أتظنين أنكِ كفرتي حتى يُتبرأ منكِ بهذه الطريقة الشنيعة ؟ بالطبع لا ولكننا في مجتمع لا يقيس أموره باتزان أو على الأقل بحجم “الجرم” إن صحت تسميته جُرم .. ما دمتِ خرجتِ عن الطريق المرسوم ، كيفما خرجتي لا يهم ، المهم أنكِ أصبحتي لا شيء ، بين ليلةٍ وضحاها
ياللمهزلةِ التي لا تُصدق . أستبيحُ لنفسي الأقنعة ووجَب النفاق واستحبّ الكذب !!
لا أود أن أكون “ذيك” المنبوذة الفاجرة النكرة
ببساطة لأنه لم يكتمل نضجي ولم أقوى بعد قوةً تجابه قسوتهم .. ولسببٍ آخرَ -وجيه- لا أستطيع ذكره
تضيقُ الحياة بي أحيانًا ، نعم تبديل الأقنعة ليس أمرًا سهلًا ولكنه لا يجابه بصعوبته إعلان الحرب على طبائع المجتمع المقيتة
وخذ بالحسبان أننا من أهل نجد أنجبتنا الصحراء القاسية ووهبتنا -بالفطرة- بعضًا منها فصرنا نرى البساطةَ واللطافة والليّن صفاتٍ لا يمتلكها إلا ضعيف نفس .. هكذا علمتنا الصحراء ، الشكر لها!
أنا ناقمةٌ جدًا على ما يحصل وأقنعتي هي “المسكن” المؤقت للمتمرد الساكن الذي بداخلي ، سيستيقظ يومًا أدري، ولكنني أرجو أن يستيقظ لحظةَ اكتمالي
ليس الآن يا نورة ، ليس بعد!