
بعد يومٍ صاخبٍ جدًا ، هاي نورة
لنتفق أن اجتهادك في فهم حياتك وتحليل الأحداث التي تطرأ عليكِ هو تصرفٌ لا يصدر إلا من شخصيةٍ مسؤولة .. لهذا يجب أن تتوقفي عن الاعتقاد بإنكِ لا تستطيعين تحمل المسؤوليات ..
–
بدأ يومي في الثامنة صباحًا بمكالمةٍ من أحد الدكاترة الأكاديميين الذي لا يهاتفي إلا لسببٍ وحدث يتعلق بي أو بعملي .. وقد كنتُ فضوليةً لمعرفة التجربة الجديدة التي سيطلبها مني ، ولكنني لم أجب على اتصاله للأسف
–
أزور البنك لحل مشكلةٍ في حساب أختي بصفتي وكيلتها في جميع المعاملات البنكية وتقريبًا هذه الحقيقة من أكثر الحقائق سعادةً على قلبي ، أحب مرحلة الثقة العمياء التي لا يحملها لي سوا أخواتي ولا أحملها إلا لأخواتي .. تصل ثقتها إلى إعطاءي بطاقات الصراف وكلمات السر لجميع حساباتها البنكية التي تحتوي أرصدةً مخيفة ، تأسرني هذه الثقة .. تمت خدمتي من قبل الموظفة منيرة ، كانت لطيفةً معي كعادتها ، أحب هذه السيدة ، تشبهني في بساطتي وطيبتي في التعامل
–
أتلقى رسالةً وأنا في البنك تخبرني بحلول موعدي في مدرسة القيادة ، فرحت جدًا جدًا .. انتظرت هذه اللحظة منذ ما يزيد عن ستة أشهر ، وقد كانت أحد أهدافي التي لم تتحقق للسنة السابقة ..
كان خبرًا سعيدًا
–
يهاتفني أخي يدعوني للخروج معه للغداء ، ما هذا اليوم المشرق ياربي ! .. هل خرج أخي من سباته القاتل ؟ .. كانت فرصةً ذهبيةً من الصعب تكررها لهذا بكلٍ أسفٍ وحزن اعتذرت عن إجابة الدعوة لارتباطي المسبق بموعدٍ في المستشفى
–
أذهب بعدها إلى المكتب ، ألتقي في طريقي إلى باب المكتب بالموظفة المبرمجة وهي تهم بالخروج إلى قاعة الاجتماعات حاملةً “لاب توبها” ، وهي عادةٌ تفعلها أحيانًا عندما تريد تجديد طاقتها للعمل .. أبدأ العمل أدخل الرابط الخاص بـ “المتجر” ، المتجر لا يعمل ! واو .. تخطئ المبرمجة كثيرًا وهذا طبيعي وهكذا نحن نتطور ، ولكن من غير الطبيعي ولا المقبول أن تخطيء خطأً فادحًا كهذا ، يزيد غضبي من تصرفها الطفولي عندما ابتعدت عني لتعمل في مكانٍ ما وحدها (هروب) ، ولم تكتفي بذلك بل تركت هاتفها في مكتبها لكي تتجنب أي اتصال ، أغضب جدًا ، أذهب للقائها .. بدت لي شاحبة الملامح ، على وشك البكاء وهي تعمل بتوترٍ وارتباك .. أحنّ عليها قليلًا لأنها تدرك أن ردة فعلي ستكون قاسيةً عليها ، ألهمني يالله ، هل أهدء من روعها وأطمئنها أم أغضب جدًا ؟ .. انتصر جانبي العطوف لأنني قرأتُ في ملامحها إحساسها بالذنب والارتباك وهذا كافٍ بالنسبة لي ..
–
أخرج ظهرًا من المكتب إلى موعد المستشفى المقرر في تمام الساعة الثانية وقد كنتُ فيما مضى اتفقتُ مع صديقي الكاميروني على لقائه في تمام الساعة الرابعة والنصف عصرًا ، كنت أسير -بخيالي- وفق خطةٍ مثالية ، ظننتُ أن موعدي وكحدٍ أقصى سينتهي في تمام الثالثة ، أخطط -في خيالي أيضًا- من باب تجنب تكرار خطأ التأخير الحضور قبل موعد اجتماعي معه بنص ساعة ، ثم لا تسير الحياة كما أريد ، يصدف أن يكون نظام العيادة “متخلفًا” ولا يسير وفق المواعيد المكتوبة ، لم أدخل على الدكتور إلا في تمام الساعة 4 عصرًا ، عشتُ لحظاتٍ متوترة في غرفة الانتظار ، كدتُ أجنّ .. لم أستطع استخدام هاتفي ولا “اللاب توب” .. يتوقف عقلي عن العمل .. وهاجس التأخير “لليوم الثاني على التوالي” بدأ يلوح لي بالأفق .. درجة توتري العالية اليوم جعلتني أفكر جديًا بقطع علاقتي مع من أوصلني لها ، ثم ماذا لو تأخرتُ (بعذر) نصف ساعة ، ساعة ؟ لما يشعرني أن هذا جرمٌ لا يغتفر وأنها نهاية العالم ؟ هذا محبط ، ربما من الأفضل لي واحترامًا لمشاعري التواجد فقط مع أشخاصٍ متسامحين .. عندما أخطئ بحقهم أدرك أن لهم قلوبًا كبيرة تتسع لمسامحتي .. هذا ما أدركته في ساعتيّ الانتظار ، كان جلوسي في غرفة الانتظار بتوترٍ وارتباك أشبه بالجلوس على سطحٍ من نار ..
وياليته كان مجدي ! فقط اقترب موعد لقائنا وأنا لا أزال في المستشفى ، أهاتفه .. أعتذر .. أقول بهزارٍ اصطنعته “تنتظر مني الان خطتيّ اعتذار بدلًا من واحدة” .. ضحك ، بدأ هادئًا ! .. ولا أدري بلقائنا القادم ما الذي سيحدث ..
⁃
في تمام الساعة السادسة كان موعدي مع “لايف كوتش” يزور الرياض أحيانًا لتقديم جلساتٍ إرشادية ، استغرق الحديث معه ما يزيد عن الثلاث ساعات .. بدوتُ معه أنا أنا ، بشخصيتي الحقيقية .. وهذه أكثر جزئيةٍ بديعة حلت في لقائي معه .. يلهمني ببعض الأفكار في الوعي و التي لم تطرأ ببالي .. أحببت الحديث معه جدًا رغم أنني لا أخطط لتكرار التجربة معه ، لا يزال في بداية الطريق إلى الحكمة ولن يضيف لي أكثر مما فعل اليوم .
–
في تمام الساعة العاشرة ، أخطط للقاء الصديق ح ، القادم من الشرقية ، وقد كان لهذا الصديق فضلٌ -لا يصدق- في متجري الحالي .. تقريبًا هو النجمة اللامعة في السماء المظلمة والتي أستلهم منها طريقي .. مضى على لقائنا الأخير ما يزيد عن السنة ، هذا الصديق -ورغم صغر سنه- ناجحٌ بطريقةٍ مخيفة ومزدحمٌ بالشغف والعمل والبهجة لهذا لا أحتمل خسارة أي فرصة للقاءه رغم كون يومي كان مرهقًا ومتعبًا .. حتى أنني أخبرته قبل لقاءه “استعد للأخلاق التجارية=d” .. أحب الأصدقاء الذين لا نضطر لادعاء مشاعرٍ ليست حقيقية فينا عند لقائهم ، التقينا وأخيرًا ، لقائي به يشبه لقاء تلميذٍ بأستاذه المقرب الذي هاجر بعيدًا عنه ثم عاد لتوه .. عاد في الوقت الصحيح ، عاد وأنا في قمة حاجتي لطاقته وتوجيهه ، عاد وأنا في أوجِ إحباطي من العمل .. لهذا وددتُ احتضانه ، وددتُ أن أقول له “مرحبًا ألف! مرحبًا إلى سابع سماء ، أين كنت ؟”
نورة الجديدة فعلتها ! لم أخبأ رغبتي هذه .. وقد كان طيبًا عطوفًا يخفي عطفه لهذا احتضنني ضاحكًا وفهم المغزى “واضح جايبه العيد بالشغل” ، ضحكت .. “ياليته عيد واحد”
لم أكن أؤمن بوجود أشخاص في هذه الحياة لا ينتظرون مقابلًا لعطائهم لحين أن التقيته ، وأنا أزعم أنني أقرأ الوجوه جيدًا ، وأفهم الأرواح قليلًا .. لهذا لم أرتب منه يومًا على كمية العطاء اللامحدود الذي قدمه لي بجهده و وقته وفكره ..
ولأنه كان يومًا مرهقًا لكلينا اخترنا الحديث في الحياة بشكلٍ عام ، ولا يسع المجال ولا يكفي المكان للحديث عن تميزه وتفرد شخصيته ولمعانه رغم كونه أبغض الناس للأضواء والشهرة -وهذا ما يزيده بريقًا- لماذا يوجد شخصٌ في هذه الحياة بهذه الروعة لا يعرفه العالم ؟ ، لطالما حدثتُ أخواتي و فريق عملي عنه .. تتحمس أخواتي للقاءه لأنهن يدركن ندرة شغفي بالأشخاص وأنني “انتقاءية” من الدرجة الأولى ، لم يحدث أن تحدثتُ معهن عن شخصٍ وكأنه أسطورة .. كما حصل مع هذا الصديق ..
أما فريق عملي فهن يعتبرنه “أڤاتار” فهو “الجواب عندما يُعدم الجواب” .. وعندما نقع بمأزقٍ في العمل ونطرق جميع الأبواب ولا نجد جوابًا ، نلجأ إليه ، حتى أنني وقبل أن أهاتفه يقترح علي فريق عملي ذلك ..
–
ينتهي يومي ، أعود مهمومةً للمنزلفي تمام الساعة الثانية فغدًا هو يوم عطلتي الوحيد الذي سأضطر للعمل فيه خارج المنزل .. كم هذا شعورٌ بغيض ..